القرطبي

68

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد نحو " ص " و " ن " حرفا أو كلمة ؟ قلت : كلمة لا حرفا ، ولذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه ، ولا ينفرد وحده في الصورة ولا ينفصل مما يختلط به ، وهذه الحروف مسكوت عليها منفردة منفصلة كانفراد الكلم وانفصالها ، فلذلك سميت كلمات لا حروفا . قال أبو عمرو : وقد يكون الحرف في غير هذا : المذهب والوجه ، قال الله عز وجل " ومن الناس من يعبد الله على حرف " أي على وجه ومذهب ، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " أي سبعة أوجه من اللغات ، والله أعلم . باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أولا لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن فيه أسماء أعلاما لمن لسانه غير العرب ، كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط . واختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من كلام غير العرب ، فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب والطبري وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه ، وأن القرآن عربي صريح ، وما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم ، وذهب بعضهم إلى وجودها فيه ، وأن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا ، ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه ، فالمشكاة : الكوة ونشأ : قام من الليل ، ومنه " إن ناشئة الليل " و " يؤتكم كفلين " أي ضعفين . و " فرت من قسورة " أي الأسد ، كله بلسان الحبشة . والغساق : البارد المنتن بلسان الترك . والقسطاس : الميزان ، بلغة الروم . والسجيل : الحجارة والطين بلسان الفرس . والطور الجبل . واليم البحر بالسريانية . والتنور : وجه الأرض بالعجمية . قال ابن عطية : " فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه . وقد كان العرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة تحارت ، وبرحلتي قريش ، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام ،